منتدى الكاتب هاشم برجاق

لا اله الا الله محمد رسول الله


    رجل كفيف يعشق الحياة،،،يبصر بعد خمسة وأربعون عاماً

    Admin
    Admin

    المساهمات : 427
    تاريخ التسجيل : 09/11/2010
    العمر : 53
    الموقع : hashem.jordanforum.net

    رجل كفيف يعشق الحياة،،،يبصر بعد خمسة وأربعون عاماً  Empty رجل كفيف يعشق الحياة،،،يبصر بعد خمسة وأربعون عاماً

    مُساهمة من طرف Admin في الثلاثاء مايو 24, 2011 10:08 am

    رجل كفيف يعشق الحياة،،،يبصر بعد خمسة وأربعون عاماً


    أنا ضرير منذ العام 1966 ولدت هكذا،،،ظلام دامس بكل ما يحيط بي أستمع إلى الأصوات ولا أميز سوى صوت أمي وأبي وأخوتي،،،لا أعرف ماذا تعني الألوان وكيف تبدوا الدنيا بحلاوتها ومرارتها فقد كنت أعتمد على أحاسيسي فقط فكانت الناس في أغلب الأحيان تشفق علي ولم يعرفوا مدى حبي وشغفي للحياة فكنت مبصر بلا عيون والبصيرة هي الأهم.
    فكان جيران الحي دوما يرددون مقولة إلى أمي الحبيبة(الله يعوض عليك) والله حاله صعب وكيف سيعمل عند كبره فقالت والدتي،،،(له الله الذي لا ينسى من فضله أحد)
    وعند بلوغي سن الخامسة تلقيت علومي على يد رجل متدين كان اسمه الأستاذ أحمد فقد تلقيت علوم القران الكريم على يده وكان أبي يملك من المال ما لا يملكه ملوك وسلاطين الأرض،،،هكذا كان يقول لي أبي بأني سأدفع كل ما أملك حتى تبصر يوماً وترى الحياة.
    فكنت أذهب مع أولاد الحي إلى مسجد الكلية العلمية الإسلامية بمنطقة جبل عمان خمس صلوات يومياً بذلك المسجد الذي كان يقال عنه بأنه من المساجد الرائعة بكل المقاييس يا لتلك الرائحة الطيبة التي كنت أشتمها من عبق التاريخ وكنت أسمع أصوات سيوف صلاح الدين قادمة من بعيد وكنت أسمع اسمي بمكبرات الصوت.
    كنت الطفل الذي لا ينام إلا على أرجل أمي الحبيبة لتصنع لي أرجوحة الحياة لطفل يعشق الدنيا وكان والدي يحضر لي أشهى الطعام ويا ليتني كنت مبصراً لأشاهد ما نوع تلك الفاكهة التي بداخلها بذور كثيرة كم كان طعمها لذيذاً وكنت أحب المشروب الساخن الذي كان يقال له (الشاي) ما أروع طعمه فكانت أمي تضع لي ليمون أو نعناع أو مرمرية في بعض الأحيان فكانت تضع لي الشاي بكوب كبير حتى لا أحرق أصابعي الصغيرة،،،مضت أيام وأيام وأصبحت على وشك الوصول للمرحلة الثانوية تعرضت للاتهامات بأني مشاكس ومدخن فكان بعض الطلاب سامحهم الله يخبئون سجائرهم بجيوبي الفارغة ويضحكون مني وبالرغم من عاهتي كنت أشعر بهم وأشاهد خيالات تشعرني بوصول أحد أو أشتم رائحة الناس وأميزهم بها فالحياة هي أكبر المدارس كان نهاري مثل ليلي لا أفرق بينهما تتلمذت على أيدي مدرسين رائعين فكنت أخط الشعر وأحفظ من القران الكثير وأحب الصلاة التي هي أنيسي ورفيقي ونقطة الوصل بين العبد وخالقه فكنت أدعوا بصلاتي أن أبصر يوماً وأشاهد أمي وأبي وأخوتي وأصدقائي وأن أرى جمال الدنيا الحقيقي،،،عملت جاهداً لأقنع من حولي بأنه يوجد هناك فرق بين كفيف البصر وكفيف البصيرة ولا من مجيب ،،،قضيت أياماً طويلة أوصل الليل بالنهار وتعلمت على القراءة بالشكل الصحيح أحضره لي والدي الحبيب أتلمس الحروف وأغوص بها بمخارجها ومداخلها كنت عاشقاً للغتي العربية لغة القران الكريم لغة الحب والمشاعر لغة ليس لها مثيل وتخرجت بمعدل امتياز وشهادة تقدير من الدرجة الأولى.
    فضاقت بي كل السبل كنت أنوي أن أدرس طبيباً أو مهندساً معمارياً كما كان والدي يتمنى ولكن إعاقتي كانت هي السبب فكنت أعشق الدراسة وخصوصاً الطب حتى أشفي الناس وأخفف عنهم وخصوصاً أمي وأبي حينما يتقدموا بالسن.
    طرق الباب أحد الرجال وكان ينادي باسم أبي ويقول يا أبا صابر هل أنت جاهز للرحيل،،،لحظتها سمعت همسات من فم أمي تقول لأبي أنا سأهتم بشؤونه وأنا سأكون خير معيلة لحين عودتك
    نهضت من فراشي وعلى ذلك الصوت المبحوح قائلاً أين أنت ذاهب يا أبي أنا أشعر وأسمع وأبصر فقال لي والدي الحبيب سأذهب برحلة الحج التي سأمضي ثلاثة شهور ذهاباً وإياباً والله المُسهل
    توسلت لأبي بأني أنوي الذهاب معه إلى الحجاز وزيارة قبر الرسول وملامسة الحجر الأسود والدعاء لرب العزة وسماعي من الناس بأن الدعاء الأول مستجاب والعلم عند الله فكنت أنوي الدعاء لربي بأني أشتهي الإبصار ولو لمرة واحدة بالحياة،،،فأدمعت أبي بتلك الكلمات وقال لأمي جهزي له من الثياب صيفاً وشتاءاً
    ورافقت أبي ويا لرفقته الطيبة من طيب كلامه ومن دفئ صدره فكان على الدوام خير رفيق،،،
    انطلقت القافلة بعد أقل من ساعة وكنت أصطحب بيدي القران الكريم وأسبح لله طوال الطريق فهذه الرحلة شاقة كما قال لي أبي ولكن برغم شقائها كانت الناقة تمشي وكأنها على ماء لن أطيل عليكم وصلنا إلى الديار المقدسة وقمت بزيارة قبر رسول الله وقبر سيدنا عمر وقبر أبو بكر الصديق.
    وكان يومي الأول هو عبارة عن زيارة لأماكن كنت أجهلها ولكني كنت أسمع الشيخ الجليل ما هي قيمتها وماذا يتوجب علي فعله بهذه اللحظة،،،فاشتممت رائحة بخور وعنبر قادمة من بعيد فقمت بالاسترخاء والدعاء بصوت عالي شديد يا رب يا عالم بحالي عليك اتكالي أعد لي بصري ولو لساعات قليلة يا رب أشتهي الإبصار ككل البشر حتى وقعت أرضاً وصحوت على وجه رجل يقال عنه(ابي) ما أجمل وجهه فكان كماء الوضوء عذب الملامح تخجل منه سجادة الصلاة من تواضعه وخشوعه فكانت هذه المرة الوحيدة التي أشاهد فيها وجه أحد ورأيت الشمس والكعبة المشرفة والحجر الأسود فكانت الدموع تنهمر من عيون أبي كالأنهار وكان يسبّح للخالق حمداً وشكراً للخالق على هذه النعمة(نعمة الإبصار من جديد)
    وعدنا لبلادنا وكنت لا أنام من شدة فرحتي وبعد مراسم الحج كنت قد حفظت ما تيسر من القران الكريم وكنت أتمنى أن أشاهد وجه أمي فلم تكن وسائل للاتصال وبقيت أكثر من شهر ونصف على هذا الحال إلا أن وصلنا ديارنا حتى أنني عرفت أمي قبل مشاهدتها وسماع صوتها يا لهذه البصيرة الرائعة.
    فكان اللقاء غير أي لقاء لقاء العائد لأوطانه بعد حروب طويلة أحضان أمي ليست ككل الأحضان عرفتها من رائحة عفتها وحنانها وحضنها الدافئ ومضت الأيام وأنهيت دراستي الجامعية لأحصل على شهادة الطب من الجامعة تخصص طب وجراحة العيون بتقدير ممتاز حتى أكون مساعداً وسبباً من أسباب الشفاء للناس بعد الله سبحانه وتعالى.
    كنت بالسابق أشعر بالناس ومن حولي بدون إبصار،،،ولكني اليوم رغم إبصاري غفلت عن الذي يدور من حولي وخدعت من أقرب الناس فالإبصار نعمة ولكن البصيرة هي الأهم تمنيت في بعض الأحيان أن أبقى كفيفاً على أن أشاهد كل هذا النفاق وكل هذا الكذب وكل هذا الرياء.

    الكفيف الذي أبصر،،،،
    هاشم برجاق
    الموقع الرسمي للكاتب
    www.hashem.jordanforum.net

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء يوليو 23, 2019 8:32 pm